Weather Data Source: 30 days weather Baghdad
بغداد
عاجل

الاقتصاد "الريعي".. لماذا تصمدُ إيرانُ لسنواتٍ وتنهارُ أسواقُنا في أسابيع؟

#
كاتب 3    -      1967 مشاهدة
16/04/2026 | 10:35 PM

أكدت مصادر اقتصادية ميدانية، أن الأزمات المتكررة التي تضرب السوق العراقي، وآخرها القفزات الجنونية في أسعار محاصيل الطماطم وشح غاز الطبخ المنزلي، هي "أعراض سريرية" لمرض عضال يتمثل في التبعية المطلقة للنفط وفشل السياسات الحكومية المتلاحقة في بناء قاعدة إنتاجية وطنية تحمي البلاد من تقلبات السياسة الدولية وهزات الشرق الأوسط.

وقالت المصادر في تصريحات خاصة لـ "وكالة فيديو الإخبارية" إن العراق يعاني من انكشاف هيكلي خطير، حيث تحول من بلد منتج ومصدر في قطاعات حيوية إلى "سوق لتصريف البضائع"، نتيجة لسياسات "مزاجية" ركزت طوال عقدين على البذخ في التعيينات الإدارية لامتصاص البطالة المقنعة وتضخيم كتلة الرواتب، فضلاً عن التوجه نحو مشاريع عمرانية سطحية مثل بناء الجسور والزينة، وتجاهل "عصب الحياة" المتمثل في تأهيل المصانع الكبرى واستصلاح الأراضي الزراعية التي باتت جرداء بفعل الإهمال وغياب الدعم السيادي للمنتج المحلي.


وأضافت المصادر أن المقارنة مع الجانب الإيراني تبرز فجوة استراتيجية شاسعة في إدارة الموارد؛ فبالرغم من الحصار الدولي الخانق والحروب والضغوط الاقتصادية التي تواجهها طهران منذ عقود، إلا أنها استطاعت الحفاظ على استقرار داخلي مذهل في توفير المواد الغذائية والطاقة بأسعار مناسبة لمواطنيها، وذلك بفضل منظومة "الاقتصاد المقاوم" التي تضع الاكتفاء الذاتي في الغذاء والدواء والصناعات التحويلية كأولوية قصوى تتقدم على أي مشاريع كمالية أخرى، مما جعل إيران قادرة على الصمود لسنوات طويلة وليس لمجرد أشهر كما هو حال الاقتصاد العراقي الذي يختنق فور توقف سلاسل التوريد عبر الحدود.

وتابعت في تحليلها لواقع الحال، أن الانشغال ببناء الجسور التي تعبرها البضائع المستوردة دون بناء المصانع التي تنتج تلك البضائع، هو "وهم عمراني" يستنزف العملة الصعبة ويجعل الأمن القومي العراقي رهيناً لإرادة المورد الخارجي، مشيرة إلى أن استمرار إهمال الغاز المصاحب جعل العراق عاجزاً عن تأمين وقود الطبخ والكهرباء، في حين أن إيران، ورغم الحرب والضغوط، أصبحت مركزاً لتصدير هذه الخدمات بفضل الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى التي تفتقر إليها الحكومات العراقية المتعاقبة التي تغلب عليها الارتجالية والمزاجية في اتخاذ القرار الاقتصادي.

وأوضحت المصادر أن الفارق الجوهري يكمن في "عقيدة الدولة الاقتصادية"؛ حيث ترى طهران في المصنع والمزرعة "خطوط دفاع أمامية" لا تقل أهمية عن الجبهات العسكرية، بينما ترى الحكومات العراقية في الموازنة مجرد "محفظة مالية" للتوزيع الاستهلاكي وشراء الولاءات الوظيفية، ما أدى إلى ترهل مالي لم يسفر عن خلق فرص عمل إنتاجية حقيقية، بل أوجد طبقة من المستهلكين المرتبطين كلياً بدولار النفط، وهو مسار انتحاري قد يؤدي إلى مجاعات حقيقية في حال تعطلت صادرات النفط أو انخفضت أسعاره عالمياً.



وأشار محللون للوكالة إلى أن النهج الحالي المتبع في بغداد، والذي يتفاخر بزيادة أعداد الموظفين وتشييد المجسرات، يتجاهل الحقيقة المرة وهي أن هذه الجسور لن تجد من يعبرها إذا فرغت رفوف الأسواق من الطماطم والخبز، محذرين من أن الاعتماد على الاستيراد بنسبة تفوق الـ 85% من الاحتياجات اليومية هو بمثابة "انتحار سيادي" يجعل القرار العراقي ضعيفاً ومهزوزاً أمام التجاذبات الإقليمية والدولية.

وأكدت المصادر أن الوقت قد حان لمغادرة السياسات التقليدية واستنساخ تجارب الصمود الإقليمية الناجحة، عبر تحويل الفوائض النفطية نحو "صناديق سيادية إنتاجية" تعيد إحياء القطاع الصناعي والزراعي المتعثر، وتنتقل بالعراق من مرحلة "الدولة المستهلكة" إلى مرحلة "الدولة الآمنة اقتصادياً"، فالتحديات القادمة في الشرق الأوسط لا ترحم الضعفاء ومن لا يملك خبزه وسلاحه ومصنعه بيديه، لن يجد مكاناً في خارطة القوى الصامدة.