شهدت منطقة الشرق الأوسط تحولاً تاريخياً حاسماً في موازين القوى الدولية والإقليمية، أعاد صياغة المعادلات العسكرية والجيوسياسية بشكل كامل، كاشفاً عن السقوط المدوّي للاستراتيجية الأمريكية التي ظلت تتستر لعقود طويلة خلف شعارات براقة ومزيفة مثل "حماية الحلفاء وتأمين ممرات الطاقة العالمية"، لتصطدم هذه الغطرسة بواقع ميداني مغاير تماماً فرضته الإرادة الصلبة والجاهزية العسكرية الفائقة للجمهورية الإسلامية في إيران، والتي أثبتت بالفعل والقدرة أنها الرقم الأصعب والوحيد الذي لا يمكن تجاوزه في المنظومة الإقليمية والدولية.
ويؤكد كبار الخبراء والمحللين الاستراتيجيين في شؤون الأمن الدولي، أن المفهوم التقليدي والوظيفة الدعائية التي روجت لها واشنطن بشأن قواعدها المنتشرة في الخليج قد تهاوت وسقطت عملياً في أول مواجهة واختبار حقيقي، فبينما كانت تلك القواعد تُقدّم كدرع لحماية طرق النفط، عجزت بشكل فاضح عن تأمين أي مسار أو حماية لنفسها، حين فرضت إيران سيادتها الكاملة وإرادتها الصارمة على مضيق هرمز ومحيطه، واستطاعت في وقت قياسي وبضربات خاطفة تدمير وشل فاعلية المنظومات والقواعد الأمريكية في الخليج، مما جعل تلك الترسانات العسكرية مجرد هياكل بلا قيمة عسكرية أمام البأس والقوة الإيرانية الردعية.
وتكشف القراءة الاستقصائية العميقة لمحللين عن الأبعاد الخلفية والنوايا الحقيقية غير المعلنة لذلك الانتشار الأمريكي؛ إذ لم يكن الهدف يوماً أمن المنطقة، بل كان الهدف الأبعد والأخطر هو محاصرة جمهورية الصين الشعبية كقوة اقتصادية كونية صاعدة، حيث أرادت واشنطن تحويل جغرافيا الخليج إلى منصات حصار متقدمة قادرة على قطع إمدادات الطاقة والنفط الحيوية عن بكين في حال اندلاع أي صدام دولي، فضلاً عن جعل تلك القواعد محطات دعم لوجستي وإمداد رئيسية للبوارج والأساطيل الأمريكية المتحركة نحو مناطق قريبة من الصين، إلا أن هذه الخطة الشيطانية تحطمت تماماً أمام الصخرة الإيرانية، وصمود طهران الذي أجبر الإدارة الأمريكية على الانكفاء، والذهاب مرغمة وذليلة نحو بكين، حيث بدا الرئيس دونالد ترامب مستجدياً الدعم السياسي والاقتصادي الصيني بعد أن فقد أوراق الضغط العسكري في المنطقة.
ويرى مختصون أن التحولات المتسارعة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الصين وروسيا باتتا اللاعبين القادمين بقوة في صياغة واقع الشرق الأوسط الجديد بالتنسيق الكامل مع طهران، وهو ما تُرجم بوضوح في الحراك الدبلوماسي الرفيع الأخير، متمثلاً في الزيارة التاريخية للرئيس الروسي إلى الصين، وما تلاها من زيارة الوفد القطري الرفيع، والاتصالات الاستراتيجية المكثفة بين القيادة الإيرانية وبكين، ثم زيارة رئيس الوزراء الباكستاني الى الصين حيث غدت قضية إيران بصمودها الأسطوري وصناعتها للردع الميداني هي صمام الأمان الوحيد والحقيقي لمنع الانفجار، والضامن لولادة الواقع الإقليمي الجديد الذي تحولت فيه موازين القوى من الأحادية الأمريكية إلى التعددية الدولية المرتكزة على محور المقاومة وحلفائه.
وفي خضم هذا الانتصار الاستراتيجي الشامل، سقطت بالكامل الذرائع الكاذبة والافتراءات التي ساقتها واشنطن والغرب على مدار عقود بشأن "البرنامج النووي الإيراني"، والتي ثبت أنها لم تكن إلا كذبة وذريعة واهية للعدوان ومحاولة شرعنة حصار الجمهورية الإسلامية؛ خصوصاً أن الفتوى الشرعية والتاريخية الصادرة عن المرجع الأعلى الراحل السيد الشهيد علي الخامنئي قد حرمت بشكل قاطع ومطلق امتلاك وتطوير واستخدام أسلحة الدمار الشامل والسلاح النووي، فضلاً عن الالتزام القانوني والأخلاقي التام لإيران بمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية (NPT)، والتعاون الشفاف والكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية منذ فترة إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما وتوقيع الاتفاق النووي.
ويؤكد خبراء أن هذه الحقائق تقطع الطريق أمام أي مشكك، وتثبت أن النوايا الأمريكية كانت خبيثة وتستهدف استغلال فزاعة "التهديد الوهمي" لابتزاز دول المنطقة، بهدف محاصرة التنين الصيني أولاً، وتأمين الحماية المطلقة لسرطان الشرق الأوسط المتمثل في الكيان الإسرائيلي من جدار الصد الأول ضد مخططها وهي الجمهورية الإسلامية ومحور المقاومة، وهي المؤامرة الكبرى التي أُجهضت وفشلت بشكل كامل ونهائي بفضل الحكمة والشجاعة الإيرانية.