Weather Data Source: 30 days weather Baghdad
بغداد
عاجل

رحيل إدغار موران بين مقاومة النازية والتضامن مع فلسطين

#
کاتب ١    -      18 مشاهدة
31/05/2026 | 12:42 AM

أنا متفائل-متشائم، آمل على أرضية من اليأس"، بهذه الجملة التي قالها عام 2005 لخص إدغار موران علاقته بعالم لم يكف يوما عن تأمله.
ومساء الجمعة 29 مايو/أيار 2026، في باريس، توقف هذا التأمل الذي امتد أكثر من قرن، ورحل الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي عن 104 أعوام، وفق ما أعلنته زوجته صباح أبو السلام موران لوكالة الصحافة الفرنسية يوم السبت.

ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التليكرام

قالت في بيانها "حتى أيامه الأخيرة، بقي إدغار موران منصتا للعالم وللآخرين وللقضايا الإنسانية الكبرى التي غذت فكره. اليوم، الفراغ الذي يتركه هائل، لكن شجاعته ووفاءه للبشر وللأفكار، وصرامته الأخلاقية، وأمله، تظل ترافقنا".
ولادة ثانية في زمن الحرب
ولد إدغار ناحوم في باريس يوم 8 يوليو/تموز 1921، طفلا وحيدا لعائلة يهودية سفاردية قادمة من سالونيك اليونانية.
كسرت طفولته المبكرة وفاة أمه وهو في العاشرة، وفي ذلك الجرح المبكر سيجد لاحقا جزءا من حساسيته العميقة تجاه الفقد والموت والاقتلاع.
حين اجتاح النازيون فرنسا، التحق الشاب بالمقاومة وانضم إلى الحزب الشيوعي الفرنسي عام 1941، واتخذ في السرية اسما مستعارا هو "موران" الذي سيحمله إلى النهاية.
ولم يكن الاسم خيارا، بل صدفة؛ روى موران أن رفيقة قدمته إلى رفاقه باسم "موران" بدل "مانين" الذي اختاره تيمنا بشخصية من رواية لأندريه مالرو، فقبل الخطأ وصار موران بدل ناحوم. من تلك التجربة خرج بإيمان عميق بأن الفكر إذا انفصل عن محن البشر صار ترفا.
القطيعة مع اليقين
نشر موران أول كتبه "السنة صفر لألمانيا" عام 1946 وهو في الخامسة والعشرين، ثم عمل في الصحافة، والتحق بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (سي إن آر إس – CNRS) عام 1950، حيث صار مدير أبحاث بين عامي 1970 و1993 قبل أن يمنح صفة المدير الفخري.
لكن الحدث الذي طبع مساره كان طرده من الحزب الشيوعي عام 1951، وهي التجربة التي رواها في كتابه "النقد الذاتي" (1959)، كاشفا أوجه العمى التي وقع فيها تجاه الستالينية. من تلك الخيبة ولد حذره الدائم من العقائد المغلقة وإيمانه بضرورة النقد الذاتي المستمر.

وتندرج أعمال موران كلها في خانة التنبيه الاستباقي ومحاولة إصلاح الإنسان بتعقب أخطائه التي قد تدفع به نحو نهايته.
وفي كتاباته عن أزمة الحداثة، توقف موران عند مفهوم "الهمجية" أو البربرية، متناولا كوارثها عبر التاريخ الغربي كله وليس فقط خلال النظامين الاستبداديين الكبيرين اللذين سيطرا على القرن العشرين (الهتلرية والستالينية) كما فعل غيره، ويجادل بأن "الهمجية الغربية" ليست نتاجا للعنف والدمار فقط، ولكنها أيضا نتيجة لنزع الصفة الإنسانية والاغتراب اللذين يميزان الحداثة بما في ذلك مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة والتكنولوجيا، وتناول وجوه "الهمجية" العديدة من التعصب الديني إلى الاستعمار إلى الشمولية ويشرح كيف تشابكت هذه الأشكال المختلفة من الهمجية مع بعضها بعضا ومع الاتجاهات التاريخية الأوسع.
وفي كتابه "إلى أين يسير العالم؟" اعتبر الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي الراحل أن التقدم لا يعني نفع الإنسانية، مدللا باستغلال الدول الكبرى التقنية الحديثة لصالحها، وعدم قضاء الإنسان على الوحشية، وتنبأ في كتابه بأن تاريخ العالم لن يتوقف عن العنف والصدمات، معتبرا أننا لا نزال نعيش قيم العصر الحديدي.
مشروع العمر الفكر المركب
كان موران، المؤرخ والفيلسوف والعالم في آن واحد، يحاول كسر الحدود الفاصلة بين التخصصات.
هذا المسعى تبلور في مشروعه الضخم "المنهج" (La Méthode)، ستة مجلدات كتبها بين 1977 و2004، حاول فيها أن يصل ما لا يوصل عادة بين قارات المعرفة.
في الجزء الخامس كتب جملته الشهيرة "كلما ازداد ما نعرفه عن الإنسان، قل ما نفهمه. إن الانقسامات بين التخصصات تفتته، وتفرغه من الحياة واللحم والتعقيد".
فكرة "الفكر المركب" (pensée complexe)، أي رفض الاختزال وربط المعارف بدل تفتيتها، جعلت منه ما سماه الفرنسيون "المفكر الكوكبي".
وفي هذا تحديدا يشبه موسوعيي الحضارة العربية الإسلامية كابن سينا والغزالي، الذين جمعوا في عقل واحد الطب والفلسفة والمنطق والتصوف قبل أن يفصل العصر الحديث بين الحقول.
القارئ العربي وموران
استقبل القارئ العربي موران مترجما عبر عقود، فالمترجم المغربي يوسف تيبس نقل موسوعة "المنهج" كاملة إلى العربية بنصيحة من موران نفسه، فبدأ بالجزأين الثالث والرابع ("معرفة المعرفة" و"الأفكار")، ثم الجزء الخامس "إنسانية الإنسانية" والسادس "الأخلاق"، عائدا إلى الأول "طبيعة الطبيعة".
كما ترجم كتابه "تربية المستقبل" الذي ألفه بطلب من اليونسكو، ونشرت ترجمته العربية دار توبقال المغربية، فيما نقل عالم الاجتماع التونسي الراحل المنصف وناس كتابه "العقل المحكم" الذي صدر عن معهد تونس للترجمة

أفردت الجزيرة نت مساحة واسعة لفكره، في تقرير للكاتب كمال الرياحي عام 2021 بعنوان "عالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران: المعرفة لا تجعلنا أفضل حالا ولا أكثر سعادة"، توقف عند رؤيته للتربية، ناقلا قوله إن التعليم "فن أو فعل نقل معلومات إلى التلميذ بكيفية يفهمها ويستوعبها".

وفي تقرير آخر نشرته الجزيرة نت نقلا عن نص لموران في "لوموند" (Le Monde)، حذر من عصر تبلغ فيه "القوة المطلقة والعجز البشري" ذروتهما، وكتب بنبرة شعرية "هذا الفكر البشري القادر على صنع أكثر الآلات تعقيدا غير قادر على خلق أبسط يعسوب".
فلسطين والموقف الذي كلفه
كان موقف موران من القضية الفلسطينية من أكثر مواقفه إثارة للجدل، وأكثرها كلفة في الوسط الفرنسي.
باعتباره يهوديا سفارديا ومقاوما سابقا للنازية، كان يدرك عمق الجرح اليهودي في القرن العشرين، لكنه رفض أن يتحول هذا الجرح إلى ذريعة لإدامة ظلم شعب آخر.
يوم 4 يونيو/حزيران 2002 وقع مع سامي ناير ودانييل سالناف مقالا في "لوموند" بعنوان "إسرائيل-فلسطين: السرطان"، جاء في نصه الفرنسي حرفيا "اليهود الذين كانوا ضحايا نظام لا يرحم يفرضون نظامهم الذي لا يرحم على الفلسطينيين. اليهود ضحايا اللاإنسانية يظهرون لاإنسانية رهيبة".
وقد أدانته محكمة استئناف فرساي يوم 27 مايو/أيار 2005 بتهمة "التشهير العنصري"، قبل أن تبطل محكمة النقض الفرنسية الإدانة وتعتبر أن المقال يندرج ضمن حرية التعبير. وخلال تلك القضية وصف بأنه "يهودي يكره نفسه"، لكنه حظي بدعم أكاديمي وفكري واسع، وكان من أنصار قضيته ممثلة فلسطين السابقة في باريس ليلى شهيد.
ظل موران وفيا لهذا الموقف حتى أيامه الأخيرة. مع حرب غزة، شارك وهو يقارب 103 أعوام في الاحتجاج، وعبر عن استنكاره للمجازر، متسائلا كيف أمكن لمن تعرضوا لأفظع أشكال الاضطهاد أن يصبحوا هم من يمارسون القمع.
العالم العربي وأصدقاء وزيارات
لم تكن علاقة موران بالعالم العربي فكرية فقط، فقد احتلت تونس مكانة خاصة في حياته؛ ففي عام 1960، بعد تعيينه أستاذا محاضرا في جامعة تونس، استقر في سيدي بوسعيد التي وصفها بأنها "جمهورية صغيرة متعددة الثقافات"، ونسج فيها صداقات مع عالم الاجتماع جان دوفينيو والصحافي جان دانييل.
وحاز جائزة ابن خلدون "لتشجيع الدراسات والبحوث في العلوم الإنسانية والاجتماعية" بتونس عام 2015.
ونال موران تكريمات لا تحصى بينها الدكتوراه الفخرية من 38 جامعة أجنبية وفق وكالة الصحافة الفرنسية، وميدالية اليونسكو الذهبية عام 2001، ثم رقي إلى "أرفع درجات" وسام جوقة الشرف (الصليب الأكبر) ضمن ترقية 14 يوليو/تموز 2021 بمناسبة عيده المئة.
لكن ما يبقى منه ليس الأوسمة، بل سؤاله الذي ظل يطرحه على عالم يسرع في التفتيت كيف نفكر في التعقيد بدل أن نهرب منه إلى البساطة القاتلة؟
في كتابه "دروس قرن من الحياة" الذي صدر عام بلوغه المئة، عرف نفسه أولا بكلمة واحدة حين سئل "من أنا؟": "إنسان". ثم أضاف: "أنا كلٌّ بالنسبة لنفسي، وأنا في الوقت نفسه لا شيء تقريباً بالنسبة للكل"