خلف الجدران التي لا تُرى، وفي زوايا
مستشفى العربي بالعاصمة بغداد وما تلاها من ردهات، تُنسج أحياناً قصصٌ تنتهي قبل
أن تبدأ.
هي قصة المواطن "عبد القادر
واثق"، الكادح الذي لم يكن يحلم بأكثر من ضحكة طفل يملأ عليه دنياه، لكنه
انتهى به المطاف وهو يحمل جثماناً "خفيفاً كالريشة" في رحلة بحث عن
حقيقة ضائعة.
الأمل المنتظر
بعد عامين من الانتظار ومراجعة
المستشفيات، رُزق عبد القادر بطفله الذي أسماه "عباس" تيمناً بنذره. كان
عباس بالنسبة لوالده "وردة" البيت، الطفل الذي لم يكن يشكو من شيء سوى
بعض "الشرقة" أو ضيق التنفس البسيط الذي يزول بضربات خفيفة على الظهر.
يقول عبد القادر بمرارة خلال حديثه
لوكالة فيديو الإخبارية: "بعت دراجتي التي هي مصدر رزقي، وذهب زوجتي، وحتى
ذهب والدتي، لتسديد فواتير المستشفى العربي. كنت أدفع مئات الآلاف يومياً، وقيل لي
إنني سأستلمه يوم الجمعة وهو معافى، لكن الهاتف رنّ ليعلن رحيله قبل الموعد
بليلة".
المأساة داخل الردهة
تتحول نبرة الأب من الحزن إلى الصدمة
حين يصف لحظة استلام الجثمان. يدّعي عبد القادر أن الطفل الذي سُلّم إليه لم يكن
يشبه ابنه الذي تركه؛ جثة هزيلة جداً، ورائحة تنم عن إهمال، مما دفعه للمطالبة
بالتشريح واللجوء للقضاء. يتساءل الأب بحرقة: "هل قطعوا عنه العلاج والحليب
لأنني تعثرت في السداد؟ أم أن ثمن حياة ابني كان مرهوناً بملايين لم أعد
أملكها؟".
رد المستشفى: الحقيقة من وجهة نظر طبية
في المقابل، يقدم الدكتور باسم نوري
التميمي، مدير المستشفى العربي، رواية مغايرة تستند إلى السجلات الطبية. يوضح
الدكتور أن الطفل "عباس" دخل المستشفى وهو يعاني من تشوه ولادي (فتحة في
سقف الفم)، وهو ما تسبب بوصول الحليب إلى الرئة، مما أدى لاحقاً إلى التهاب رئوي
حاد وعسر تنفس شديد.
ويضيف الدكتور التميمي لوكالة فيديو الإخبارية
أن الطفل كان على جهاز الإنعاش الرئوي، وحالته كانت حرجة جداً، وقد نصحنا الأهل
بنقله لمستشفى حكومي متخصص، لكنهم أصروا على بقائه.
ويؤكد أن المستشفى قدم تخفيضات خاصة
للحالة (100 ألف دينار لليلة الواحدة)، وأن ذمة الأهل لا تزال مشغولة بمبلغ يتجاوز
المليونين ونصف المليون دينار، ورغم ذلك لم يُمنع الجثمان عنهم مراعاةً لمشاعرهم.
ويتابع: حدثت الوفاة في ساعة مبكرة من
الفجر نتيجة مضاعفات طبية، ولم يحضر الأهل للاستلام إلا في ظهيرة اليوم التالي.
بين الروايتين.. ضحية واحدة
بينما يرى الأب "قصوراً وإهمالاً
مادياً" أدى لفقدان فلذة كبده، يرى المستشفى "قضاءً وقدراً" ناتجاً
عن حالة طبية معقدة.
وتبقى الحقيقة معلقة بين أروقة الطب العدلي ودموع والد الذي لم يعد
يملك من ذكريات طفله سوى "وصولات دفع" وصورة لهيكل عظمي يرفض تصديق أنه
ابنه الذي كان "مثل الوردة".