في لحظة توصف بأنها من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ المهنة، جاء مهرجان الصحافة الدولي 2026 في مدينة بيروجيا الإيطالية ليضع الصحافة أمام مرآة صريحة، تعكس حجم التحديات التي تواجهها، وتفتح في الوقت نفسه نقاشا عميقا حول شكلها في السنوات المقبلة.
فالمهرجان الذي جمع صحفيين وباحثين وصناع محتوى من مختلف أنحاء العالم، لم يكتف برصد الأزمات، بل حاول إعادة تعريف وظيفة الصحافة في بيئة إعلامية تتغير بسرعة غير مسبوقة.
افتتحت جلسات المهرجان الذي أقيم في الفترة من 15 إلى 18 أبريل/ نيسان الحالي بنبرة واقعية، إذ أقر المشاركون بأن الصحافة تواجه ضغوطا متزايدة من جهات متعددة، تبدأ من بيئة المنصات الرقمية التي باتت أقل دعما للمحتوى الإخباري، ولا تنتهي عند الهجمات السياسية المتكررة على وسائل الإعلام.
ومع ذلك، لم يكن المشهد قاتما بالكامل، إذ برزت قصص صمود لصحفيين يعملون في مناطق النزاع، من غزة إلى السودان وأوكرانيا، حيث يواصلون نقل الرواية رغم المخاطر، في تأكيد على أن المهنة، رغم هشاشتها، لا تزال قادرة على المقاومة.
ضمن هذا السياق، احتل الذكاء الاصطناعي مساحة واسعة من النقاش، لكن ليس بوصفه تهديدا فقط، بل باعتباره تحديا تحريريا معقدا.
فقد شدد مشاركون من مؤسسات كبرى مثل نيويورك تايمز وبي بي سي على أن التعامل مع هذه التقنية يتطلب إعادة التفكير في مفهوم المسؤولية التحريرية نفسه.
ولم يعد كافيا استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة، بل يجب دمج المعايير الصحفية داخل أنظمته، بحيث يصبح جزءا من عملية اتخاذ القرار.
ومع ذلك، أقر المتحدثون بأن هذه الأنظمة تظل غير قابلة للتنبؤ الكامل، ما يفرض على غرف الأخبار اعتماد آليات تقييم مستمرة بدلا من الاعتماد على السيطرة المطلقة.
وفي موازاة هذا النقاش التقني، برزت قضية أكثر عمقا تتعلق بعلاقة الصحافة بجمهورها، خاصة الفئات المهمشة اقتصادي
فقد خلصت جلسات عدة إلى أن المؤسسات الإعلامية التقليدية فشلت إلى حد كبير في الوصول إلى هذه الفئات أو تمثيلها بشكل عادل.
وجرى عرض نماذج بديلة تعتمد على الاقتراب من الجمهور في بيئته الخاصة، مثل استخدام تطبيقات التراسل كمنصات للنشر والتفاعل، وهو ما يعكس تحولا من نموذج "إخبار الناس بما يجب أن يعرفوه" إلى نموذج "الاستماع لما يريدون معرفته".
هذا التحول لا يرتبط فقط بالأدوات، بل أيضا بتركيبة غرف الأخبار التي ما زالت تفتقر في كثير من الأحيان إلى التنوع الاجتماعي.
وفي سياق متصل، ناقش المؤتمر صعود ما يُعرف بصناع المحتوى الإخباري، الذين باتوا يشكلون جزءا مؤثرا من المشهد الإعلامي.
وعلى عكس الطرح التقليدي الذي يرى فيهم منافسين، قدمت النقاشات رؤية أكثر توازنا، تعتبرهم شركاء محتملين.
فهؤلاء يعتمدون في كثير من الأحيان على المؤسسات الصحفية كمصدر للمعلومات، لكنهم يعيدون تقديمها بأساليب تتناسب مع المنصات الرقمية وجمهورها.
وفي المقابل، يمكن للمؤسسات أن تستفيد من قدرتهم على الوصول إلى شرائح أوسع، خاصة الشباب، شريطة الحفاظ على المعايير المهنية.
أما في تغطيات الحروب، فقد برزت إشكالية "الحياد" كأحد أكثر المفاهيم إثارة للجدل؛ إذ أشار عدد من الصحفيين إلى أن الالتزام الحرفي بالحياد قد يؤدي أحيانا إلى تشويه الحقيقة، خاصة عندما يتم وضع روايات غير متكافئة في إطار متساو.