في ساحة عرض مفتوحة بمدينة غلاسكو، لا يبدو المشهد اعتياديا؛ سيارة مثقوبة بالرصاص تقف بصمت، لكن صمتها يروي حكاية مدوية. إلى جانبها يقف الفنان البريطاني دوغ كرابتري، يراقب الزوار وهم يقتربون ببطء، وكأنهم يدخلون إلى لحظة موت معلقة في الزمن.
هذه ليست مجرد قطعة فنية، بل إعادة تجسيد لواحدة من أكثر القصص إيلاما في الحرب على غزة؛ السيارة التي استشهدت فيها الطفلة الفلسطينية هند رجب مع خمسة من أفراد عائلتها، وقد اخترقتها 335 رصاصة، وضعت علامات مرقمة عليها لتبقى شاهدة على ما حدث في يناير/كانون الثاني 2024.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التليكرام
يقول كرابتري إن هدفه لم يكن عرض مأساة بقدر ما هو نقل الحقيقة كما هي، موضحا أن العمل يسعى إلى جعل الجمهور في المملكة المتحدة يواجه تفاصيل اللحظة التي عاشتها الطفلة داخل السيارة، بكل ما حملته من رعب وعجز. بالنسبة له، الفن ليس ترفا، بل وسيلة لاستعادة "إنسانية الضحايا" في أعين العالم
ولا تقف التجربة عند حدود السيارة. يمتد المعرض إلى مساحة تفاعلية تحيط بالزوار من كل جانب، حيث تعرض معدات طبية حقيقية أعيد توظيفها، من أجهزة غسيل الكلى إلى أجهزة مراقبة المرضى، لتبث شهادات مصورة لأطباء ومتطوعين عملوا داخل قطاع غزة، في محاولة لتوثيق ما يصفه الفنان بـ"التدمير المنهجي" للقطاع الصحي.
في زاوية أخرى، يستحضر المعرض قصص العاملين في المجال الطبي الذين كانوا في قلب الاستهداف، ومن بينهم الطبيب الفلسطيني عدنان البرش، لتتحول الأسماء إلى وجوه، والوجوه إلى حكايات يصعب تجاهلها.
الزوار بدورهم لم يخرجوا كما دخلوا. إحدى الحاضرات تقول إن المشهد دفعها للبكاء، وأثار غضبها من صمت الحكومات. وتشير أخرى إلى أن رؤية السيارة عن قرب، بعد معرفة قصتها، جعلت المأساة أكثر واقعية، وأكثر قسوة. أما ثالثة، فترى أن التجربة كسرت المسافة بين الخبر والصورة، وجعلتها تدرك حجم ما جرى بشكل أعمق.