Weather Data Source: 30 days weather Baghdad
بغداد
عاجل

قاعدة روسية لـ25 عام : من الخرطوم إلى البحر الأحمر .. ماذا تخفي الصفقة السودانية الروسية ؟

#
کاتب ١    -      45 مشاهدة
16/09/2026 | 08:24 PM

في عالمنا السياسي المكتض اليوم ، لا تبدأ بعض التحولات حين ترفع الأعلام فوق المباني بل حين تفتح الأبواب التي كانت موصدة وحين تتحول الجغرافيا من أرض صامتة إلى ورقة تتحدث باسم القوة ، ولذلك الحديث اليوم عن عرض " سوداني لموسكو " بإنشاء قاعدة بحرية على البحر الأحمر لمدة " خمسة وعشرين عام " في مقابل تعاون عسكري ينتمي إلى هذا النوع من التحولات التي لا تقاس بما تُعلن عنه العواصم بل بما قد تتركه خلفها من ظلال على خريطة العالم ، فالسودان الذي أنهكته الحرب لا ينظر إلى السلاح بوصفه مجرد معدن يُحمل بل بوصفه وعدا بالبقاء في معركة تتداخل فيها السلطة والسيادة والخوف من المستقبل ، وروسيا التي تبحث عن موطئ قدم أوسع في المياه الدافئة لا تنظر إلى الميناء بوصفه مكانا لرسو السفن به بل بوصفه نقطة تبدأ منها رحلة طويلة نحو نفوذ يتجاوز حدود القارة ، فالبحر الأحمر هنا أكثر من ممر للتجارة ، إنه ذاكرة قديمة للصراع وشريان يصل الشرق بالغرب وبوابة تطل منها القوى الكبرى على أفريقيا والشرق الأوسط والمحيط الهندي ، ومن يملك القدرة على الحضور فيه لا يملك البحر وحده بل يقترب من امتلاك جزء من اللغة التي تتحدث بها التجارة والأمن والطاقة في العالم


الا أن القاعدة إن تحولت من مشروع إلى واقع لن تكون مجرد عنوان روسي على الساحل السوداني ، بل ستمنح موسكو قدرة أكبر على دعم سفنها وتوسيع حركتها البحرية وربط مصالحها في البحر الأحمر بشبكات نفوذها في أفريقيا ، وستجعل من السودان نقطة ارتكاز في استراتيجية أوسع ، تبحث فيها روسيا عن مساحات جديدة للحضور في عالم لم تعد فيه القوة تقاس بعدد الصواريخ وحدها بل بعدد المواقع التي تستطيع أن تصل إليها والأبواب التي تستطيع أن تفتحها 


أما أفريقيا بمجملها فإن التعاون العسكري مع روسيا سيمنح بعض دولها أدوات إضافية لمواجهة خصومها وتعزيز قدراتها الدفاعية وتقليل اعتمادها على شركاء تقليديين ، الا أن ذلك لا يعني بأن القارة ستصبح قوة واحدة تحت راية واحدة ، فبين دول أفريقيا اختلافات في المصالح وفي طبيعة التهديدات وفي رؤيتها للعالم ، ولذلك فإن ما سيتوسع هو شبكة التعاون العسكري " الروسي الأفريقي " لا تحالف أفريقي موحد ، 
ومع ذلك فإن السلاح لا يأتي وحده ، حيث كل اتفاق عسكري يحمل معه لغة سياسية ، وكل قاعدة تحمل معها حساباتٍ اقتصادية ، وكل شراكة أمنية تفتح بابا لنفوذ يتجاوز ما كتب في بنودها ، وهنا تكمن المسألة الأعمق ، بهل تستطيع الدول الأفريقية أن تجعل من التعاون مع روسيا وسيلة لبناء استقلالها ، أم أن تتحول حاجتها إلى السلاح إلى طريق جديد للتبعية؟ ، فأن الخطر ليس في أن تتعاون أفريقيا مع روسيا ، كما أن الخلاص ليس في أن ترفضها ، الخطر الحقيقي بأن يصبح التعاون بديلا عن بناء الدولة وأن يتحول الحليف الخارجي إلى صاحب قرار غير معلن وتدفع الشعوب ثمنا طويلا لاتفاقات قصيرة النظر


ففي هذا الصفقة قد تكون القاعدة الروسية المحتملة في السودان بداية لتحول في ميزان النفوذ ، لكنها لن تكون وحدها قادرة على إعادة رسم العالم ، لأن العالم لا يتغير بقاعدة واحدة بل بتراكم القواعد وتبدل التحالفات وتغير المصالح وتراجع قوى وصعود أخرى ، ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يختبئ خلف هذه الصفقة هو : هل ستصبح أفريقيا ساحة تتنافس فيها القوى الكبرى ، أم ستتعلم كيف تجعل من هذا التنافس فرصة لبناء قوتها لا سببا جديدا لفقدان قرارها؟ ، فحين يصبح البحر الأحمر بوابة للنفوذ لا يعود المهم من يرسو عند شواطئه .. بل من يملك القدرة على أن يبحر منه دون أن يفقد طريقه إلى السيادة