Weather Data Source: 30 days weather Baghdad
بغداد
عاجل

النفط عامل تنمية أم تخلّف

#
کاتب ١    -      46 مشاهدة
16/09/2026 | 08:33 PM


في 15 تشرين الأول 1927، في ساحة "بابا كركر" الأسطورية بالقرب من كركوك، اندفع النفط من البئر رقم 1، وأدخل العراق بوصفه أول منتج نفطي كبير بين الدول العربية في شرق المتوسط إلى نادي عمالقة النفط في العالم. ومنذ ذلك الحين، ارتبط مصير العراق بالنفط. لكن الآن، وبعد مرور قرابة قرن على هذا الحدث، أصبح النفط أقرب إلى إبعاد العراق عن التنمية منه إلى تقريبها. ومع ذلك، لا تزال هناك إمكانية لتغيير مسار البلاد نحو التنمية المستدامة من خلال تطوير سلاسل البتروكيماويات.
اليوم يُعدّ العراق أحد أكبر منتجي النفط في العالم. ووفقًا لأحدث الإحصاءات الرسمية، يتراوح الإنتاج اليومي للنفط الخام في العراق حاليًا، ضمن إطار اتفاقات أوبك+، بين 4.3 و4.6 مليون برميل. ومن هذه الكمية الضخمة، يُقدَّر الاستهلاك المحلي للبلاد، بالنظر إلى تقادم المصافي وغياب الصناعات المتقدمة في المراحل اللاحقة، بنحو 1 مليون برميل يوميًا. أما الباقي، أي ما يقارب 3.5 مليون برميل يومياً، فيُضخ إلى الأسواق العالمية كنفط خام ومن دون أي قيمة مضافة من خلال الموانئ التصديرية في البصرة وجيهان التركية. وقد جعل هذا الاعتماد المطلق على تصدير المادة الخام هيكل موازنة الدولة شديد الهشاشة. ووفقًا لبيانات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، يأتي أكثر من 90% من إيرادات الموازنة العامة العراقية مباشرة من بيع النفط الخام. وهذا يعني أنّ رواتب موظفي الدولة، ومشاريع بناء وإعادة تأهيل البنية التحتية، وموازنات الصحة والتعليم، وحتى أبسط الخدمات العامة، كلها تعتمد وتبقى رهينة لتقلبات أسعار النفط العالمية.
في قطاع الغاز الطبيعي، القصة أكثر مأساوية وتكلفة. العراق، بامتلاكه احتياطيات مثبتة من الغاز الطبيعي تبلغ نحو 132 تريليون قدم مكعب، يُعدّ من أغنى بلدان المنطقة من هذه الناحية. ومع ذلك، فإنّ غياب البنى التحتية لجمع الغاز ومعالجته ونقله جعل هذا البلد يُسجل سنوياً مراتب متقدمة في مؤشر «حرق الغاز المصاحب للنفط» (الفليرينغ). ووفقا للتقارير الفضائية الصادرة عن البنك الدولي ووكالة الطاقة الدولية، يحرق العراق سنويا ما بين 17 و18 مليار متر مكعب من الغاز المصاحب في المشاعل، وبهذا المعنى يحتل المرتبة الثانية عالميا بعد روسيا في هدر الغاز. وبينما يختفي هذا الثراء الوطني الهائل في الهواء من دون أن يُستفاد منه بأدنى قدر، يضطر العراق إلى استيراد الغاز الطبيعي والكهرباء لتعويض نقص وقود محطات توليد الكهرباء لديه، وبسبب عدم كفاية الواردات لتلبية حاجات البلد، ما يزال يعاني من أزمة مزمنة في الانقطاعات اليومية للتيار الكهربائي.
لكن هذا النفط الخام الذي يُصدَّر على حساب تدمير فرص التنمية، إلى أين يذهب؟ أهم وجهات صادرات العراق توجد في الأسواق الآسيوية العطشى، حيث تستحوذ، بحسب الإحصاءات الرسمية لوزارة النفط العراقية وتقارير أوبك، على أكثر من 70% من إجمالي شحنات تصدير النفط الخام لهذا البلد. وفي صدارة قائمة المشترين تأتي ثلاث دول هي الهند، الصين، وكوريا الجنوبية. وبعد هذه الدول الثلاث تأتي تركيا وبعض الوجهات الأوروبية مثل اليونان وإيطاليا في المراتب التالية. والمفارقة المريرة هنا أنّ كثيراً من هذه الدول تشتري النفط الخام العراقي بالسعر الأساسي، ثم تحوله في مصافيها الضخمة والمتطورة إلى بنزين، وديزل، وأنواع من المواد البتروكيميائية، ثم تعيد لاحقا جزءاً كبيراً من تلك المنتجات إلى العراق نفسه بأسعار أعلى بكثير. إنها حلقة يلعب فيها العراق في الوقت نفسه دور المورّد الرخيص للمواد الأولية لصناعات هذه الدول، وكذلك السوق المستهلك لمنتجاتها الباهظة.
هذه الحلقة المفرغة، لها جذور في عدّة تحديات أساسية ومترابطة. اقتصاد العراق يعتمد بشكل كبير على منتج واحد وهو عرضة للصدمات. لا تزال القدرة التكريرية المحلية الإجمالية بعيدة بشكل ملحوظ عن الحاجة الحقيقية للبلاد. حرق الغاز المصاحب يهدر مليارات الدولارات من الإيرادات المحتملة. كما أن الفساد وضعف الحوكمة هما الحلقة المفقودة للشفافية في سلسلة إيرادات النفط حتى التنمية. ومع ذلك، فإن النظر إلى تجربة الدول الأخرى يُظهر أن طريق الخروج من هذا الوضع هو مسار مجرّب. السعودية عبر بناء عملاق البتروكيماويات «سابك» والمدن الصناعية الجبيل وينبع، واليابان وكوريا الجنوبية والهند عبر تحويل النفط الخام المستورد إلى منتجات ذات قيمة مضافة، كلها أثبتت أن سرّ النجاح هو النظر إلى النفط لا بوصفه غنيمة جاهزة للبيع، بل بوصفه مادة أولية لسلسلة صناعية ضخمة.
ما الذي يجب فعله؟
طريق الخروج من هذا التحدي وتحريك البلاد على مسار التنمية المستدامة لا يكمن في الشعارات بل في تغيير اتجاه استراتيجية الدولة من تصدير النفط الخام إلى تطوير الصناعات اللاحقة. يمكن للعراق، من خلال الاقتداء بنموذج «المنطقة الاقتصادية الخاصة للبتروكيماويات في الجبيل السعودية» في البصرة، أن يجذب المستثمرين الأجانب بإعفاءات ذكية وإتاحة الوصول إلى لقيم رخيص، وأن يحول نفطه وغازه قبل التصدير إلى منتجات ذات قيمة مضافة. ومن جهة أخرى، فإن إبرام عقود مشاركة في الإنتاج مع عمالقة البتروكيماويات في العالم، بدلاً من عقود الخدمات منخفضة العائد الحالية، سيجلب التكنولوجيا والأسواق التصديرية إلى داخل البلاد. كما أن الإيقاف الكامل لعمليات الحرق باستخدام نموذج الاستثمار BOT، سيحول الغاز المصاحب من تهديد بيئي إلى لقيم لمحطات الطاقة والمجمعات البتروكيماوية. هذه الخطوات الثلاث ستجعل الحلقة المفرغة للبيع الخام تتحول إلى محرك للتشغيل وتوليد العملة الأجنبية بشكل مستدام.
قصة نفط العراق، من يوم اندفاع بئر «بابا كركر» إلى اليوم، هي قصة ثروة تقف عند مفترق طرق بين الاستمرار في البيع الخام أو بناء مستقبل قائم على القيمة المضافة والتنمية المستدامة.