115 مشاهدة
بقلم/ حسين الفلوجي
نشر البنك المركزي العراقي عرضًا واسعًا لما وصفه بـ“الإنجازات الاستراتيجية” خلال الفترة 2020–2025، متضمنًا أرقامًا عن الاحتياطيات الأجنبية، أدوات السياسة النقدية، سعر الصرف، القطاع المصرفي، الدفع الإلكتروني، مبادرات التمويل، وشركات الصرافة. غير أن القراءة النقدية لهذه الإحصائيات تكشف أن الصورة ليست أحادية؛ فهناك تقدم واضح في بعض المؤشرات، يقابله استمرار اختلالات بنيوية في طبيعة السياسة النقدية والقطاع المصرفي ودور الدولار في الاقتصاد العراقي، في هذه القراءة سأستعرض نقاط الضعف ونقاط القوة التي ظهرت في الإحصائيات.
*أولًا: نقاط الضعف*
*الاعتماد المفرط على الدولار ما زال جوهر السياسة النقدية*
أبرز ملاحظة ظهرت في البيانات المنشورة أن البنك المركزي لا يزال يعتمد على بيع الدولار كأداة رئيسية لضبط السيولة وسعر الصرف. فقد أشار العرض إلى بيع 68 مليار دولار ضمن ما سماه “سياسة التعقيم” لسحب الدينار وتمويل فاتورة الاستيراد، إلى جانب توظيف 68 ترليون دينار من سيولة المصارف عبر حوالات وشهادات إيداع، وسعر فائدة سياسة نقدية عند 5.5% واحتياطي قانوني بين 10% و18%.
هذه الأرقام تعني أن البنك يستخدم أدوات نقدية فعلية، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن السياسة النقدية العراقية ما زالت، في جوهرها، *سياسة سعر صرف ونافذة دولار* أكثر من كونها سياسة فائدة وائتمان وسوق نقدية عميقة. وهذا يجعل الاستقرار النقدي مرتبطًا بدرجة كبيرة بتدفق الإيرادات النفطية وقدرة البنك على تلبية الطلب على العملة الأجنبية.
*فجوة سعر الصرف لم تُحسم بالأرقام المعلنة*
يقول البنك المركزي إن المعالجة الحالية لفجوة سعر الصرف تقوم على تمويل 95% من التجارة بسعر الصرف الرسمي، بما يشمل الاستيرادات، مشتريات البطاقات الإلكترونية، تحويلات الأفراد، السفر، العلاج، الدراسة، وتذاكر السفر.
لكن هذا الرقم، رغم أهميته، لا يجيب عن السؤال المركزي: إذا كانت النسبة الأكبر من التجارة تموّل بالسعر الرسمي، فلماذا يبقى السعر الموازي مؤثرًا في السوق؟ ومن يستفيد فعليًا من الدولار الرسمي؟ وهل يصل أثر السعر الرسمي إلى المستهلك النهائي، أم يتسرب جزء من الفائدة إلى حلقات الوساطة والاستيراد والمضاربة؟
لذلك، فإن قياس النجاح لا ينبغي أن يقوم فقط على حجم التمويل بالسعر الرسمي، بل على أثره في الأسعار، وشفافية المستفيدين، وانخفاض الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي.
*القطاع المصرفي نما رقميًا لكنه ما زال ضعيفًا بنيويًا*
يعرض البنك المركزي أرقامًا عن نمو القطاع المصرفي، لكن هذه الأرقام تحتاج قراءة حذرة. فالنمو في الموجودات أو الودائع لا يعني تلقائيًا أن القطاع أصبح قادرًا على تمويل الاقتصاد الحقيقي. المشكلة الأعمق تكمن في طبيعة هذا النمو، وجودة الائتمان، وهيمنة المصارف الحكومية، ومحدودية دور المصارف الأهلية.
وبحسب العرض، يضم القطاع المالي المرخص 7 مصارف حكومية، و49 مصرفًا أهليًا، و11 فرعًا لمصرف أجنبي، إضافة إلى شركات الدفع الإلكتروني وشركات التمويل الأصغر وشركات الصرافة.
غير أن كثرة المؤسسات لا تعني بالضرورة قوة النظام المصرفي. فالاختبار الحقيقي هو: كم من هذه المصارف يمول مشاريع إنتاجية؟ ما حجم الائتمان الموجه للقطاع الخاص الحقيقي؟ ما نسبة القروض المتعثرة؟ وما مستوى الحوكمة والامتثال؟
*هيمنة المصارف الحكومية تحدّ من المنافسة*
من أخطر الاختلالات أن القطاع المصرفي العراقي ما زال متمركزًا حول المصارف الحكومية، خصوصًا الرافدين والرشيد. ويشير العرض إلى أن مصرفي الرافدين والرشيد يستحوذان على 42% من موجودات القطاع و56% من الودائع.
هذا يعني أن السوق المصرفية لا تزال غير متوازنة. فوجود مصارف حكومية ضخمة ومصارف أهلية محدودة التأثير يجعل المنافسة ضعيفة، ويحد من قدرة القطاع المصرفي على لعب دوره الطبيعي في تمويل الاستثمار، وتوسيع الائتمان، وتنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط والإنفاق الحكومي.
*مبادرات التمويل تثير سؤال الدور الحقيقي للبنك المركزي*
يعرض البنك المركزي مبادرات تمويل واسعة بلغت 16.286 ترليون دينار، شملت 18,135 مشروعًا و180,847 وحدة سكنية، بينها تمويل للمشاريع الكبرى، والقروض الميسرة، والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، والمبادرات السكنية.
هذه المبادرات قد تبدو إيجابية من زاوية اجتماعية أو تنموية، لكنها تطرح سؤالًا نقديًا مهمًا: هل من وظيفة البنك المركزي تمويل الإسكان والمشاريع بهذا الحجم؟
وظيفة البنك المركزي الأصلية هي حماية استقرار الأسعار، إدارة السيولة، تنظيم المصارف، وحماية النظام المالي. أما التمويل التنموي طويل الأجل، فيفترض أن تقوم به الحكومة، المصارف التنموية، أو السوق المصرفية التجارية.
استمرار البنك المركزي بهذا الدور قد يخلط بين السياسة النقدية والسياسة المالية، ويحوّل البنك من سلطة نقدية مستقلة إلى شبه مؤسسة تمويلية.
*انخفاض التضخم لا يمكن نسبته للبنك وحده*
يشير العرض إلى أن التضخم انخفض من 6% في 2021 إلى 1.5% في 2025، رغم زيادة الإنفاق الحكومي بنسبة 98% وضخ مبادرات تمويلية بنحو 14 ترليون دينار خلال خمس سنوات.
لكن ربط انخفاض التضخم بسياسة البنك المركزي وحدها يحتاج إلى حذر. فالتضخم في العراق يتأثر بعوامل متعددة: أسعار النفط، سعر الصرف، الاستيراد، الدعم الحكومي، أسعار الغذاء العالمية، ومستوى الطلب المحلي. لذلك، يمكن القول إن البنك ساهم في ضبط التضخم، لكن لا يمكن اعتبار الانخفاض دليلًا كاملًا على نجاح السياسة النقدية وحدها.
*ثانيًا*: *نقاط القوة والإنجازات الفعلية*
*احتياطيات أجنبية قوية*
أقوى ما في العرض هو مؤشرات كفاية الاحتياطيات. فقد أشار البنك إلى أن نسبة الاحتياطي إلى العملة المصدرة بلغت 127%، ونسبة الاحتياطي إلى M2 بلغت 74%، ونسبة كفاية الاحتياطيات وفق معيار ARA بلغت 237%، وهي أعلى من الحدود المرجعية المعروضة في التقرير.
كما أشار إلى نمو الاحتياطيات الأجنبية بنسبة 85% منذ 2020، وتغطية استيراد تصل إلى 14 شهرًا، مع توزيع الاحتياطي بين الودائع والسندات والذهب، وتعاون 19 مؤسسة مالية في إدارة الاحتياطي.
هذه نقطة قوة حقيقية، لأنها تمنح البنك المركزي قدرة على امتصاص الصدمات الخارجية وتمويل الطلب المشروع على العملة الأجنبية وحماية الاستقرار النقدي.
*تطور واضح في أدوات السياسة النقدية*
إعلان البنك عن استخدام عمليات السوق المفتوحة، شهادات الإيداع، خصم الحوالات، الريبو، سعر الفائدة، والاحتياطي القانوني، يمثل تطورًا مهمًا مقارنة بمرحلة الاعتماد شبه الكامل على نافذة العملة.
لكن أهمية هذه الأدوات لا تقاس بحجمها فقط، بل بمدى قدرتها على التأثير في سلوك المصارف، وتوجيه السيولة، وخفض المضاربة، وتحفيز الائتمان المنتج.
*تقدم مهم في الدفع الإلكتروني*
تضمن العرض أرقامًا مهمة عن البنية التحتية للدفع الإلكتروني، منها إصدار 20 مليون بطاقة إلكترونية، وتوزيع نحو 179,654 نقطة بيع POS، و3,015 جهاز صراف آلي ATM، و37,636 نقطة سحب نقدي POC، إضافة إلى تحصيل وجباية 15 ترليون دينار من الضرائب والفواتير في 2025.
هذا تطور لا يمكن التقليل منه، لأنه يفتح الباب أمام تقليل الاعتماد على النقد، ورفع الشفافية، وتحسين الجباية، وتقليص فرص الفساد النقدي. لكن التحدي المقبل هو الانتقال من نشر الأدوات إلى تغيير السلوك: أي أن تتحول البطاقات من وسيلة لسحب الراتب نقدًا إلى وسيلة دفع يومي فعلي.
*بدء إصلاح مصرفي جدي*
يشير العرض إلى مشروع إصلاح مصرفي يتضمن الملكية والحوكمة، استدامة نموذج العمل، المقاييس المالية، المخاطر والامتثال التنظيمي، وبمشاركة شركة أوليفر وايمن والمصارف العراقية وشركات التدقيق والخدمات المالية الدولية.
هذه خطوة إيجابية، لأنها تعني أن البنك المركزي بدأ يتعامل مع أصل المشكلة، لا مع نتائجها فقط. لكن الإصلاح المصرفي لن يكون ذا قيمة إذا بقي شكليًا أو اقتصر على المتطلبات الورقية، دون معالجة الملكيات المتداخلة، القروض المتعثرة، ضعف الحوكمة، ومحدودية قدرة المصارف على تمويل الاقتصاد الحقيقي.
التقييم النهائي
ما نشره البنك المركزي العراقي يتضمن أرقامًا قوية في الاحتياطيات، الدفع الإلكتروني، أدوات السياسة النقدية، ومبادرات الإصلاح المصرفي. لكن هذه الأرقام لا تكفي وحدها لإثبات نجاح شامل في السياسة النقدية.
الاختبار الحقيقي لا يتمثل في حجم الاحتياطي فقط، ولا في عدد البطاقات، ولا في مقدار الدولار المباع، بل في قدرة البنك المركزي على تقليص فجوة سعر الصرف، بناء سوق نقدية فعالة، إصلاح القطاع المصرفي، خفض الاعتماد على نافذة العملة، وتحويل السيولة إلى ائتمان منتج يدعم النمو والتشغيل.
*باحث بالاقتصاد السياسي