Weather Data Source: 30 days weather Baghdad
بغداد
عاجل

مقالات الرأي

قاسم العسكري

آخر تحديث: 4/07/2026 | 01:35 PM

51 مشاهدة أثارت التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول إمكانية إسناد دور محوري لسوريا، وتحديداً للرئيس أحمد الشرع، في مواجهة حزب الله داخل لبنان، موجة من التساؤلات حول المسارات المحتملة للصراع في المنطقة. وقد جاءت هذه التصريحات في سياق يبدو أن المفاوضات الأمريكية-الإيرانية لم تصل فيه إلى طريق مسدود بالكامل، بل تواصلت مسارات التفاوض، غير أن التحركات الميدانية على الأرض تشير إلى تعقيد المشهد بشكل أكبر.
ففي تطور لافت، رصدت تقارير إعلامية ورصد ميداني تحركات عسكرية سورية باتجاه الحدود اللبنانية، شملت دبابات ومدرعات تابعة لقوات الرئيس الشرع، إضافة إلى وحدات مقاتلة تضم عناصر من أصول إيغورية وشيشانية وأخرى من جنسيات آسيوية، تم نشرها في مناطق قريبة من مدينة طرابلس وعلى امتداد الحدود الشمالية مع لبنان. وتزامنت هذه التحركات مع تعزيزات عسكرية سورية أوسع شملت وحدات صواريخ وآلاف الجنود، تمركزت في ريف حمص الغربي وجنوب طرطوس، في خطوة وصفتها دمشق بأنها دفاعية بهدف ضبط الحدود ومنع تهريب الأسلحة والمقاتلين.
غير أن هذه التعزيزات أثارت مخاوف في أوساط حزب الله والقوى المتحالفة معه، التي رأت فيها مؤشراً على احتمالية تحرك سوري باتجاه الأراضي اللبنانية، خاصة في ظل تصريحات منسوبة للرئيس الشرع لم تؤكدها مصادر رسمية، وتقارير عن رغبة بعض الوحدات العسكرية السورية في "تسوية الحسابات" مع حزب الله في منطقة البقاع. وفي المقابل، سارعت الحكومة السورية إلى نفي أي نية للتدخل العسكري في لبنان، مؤكدة عبر لسان الرئيس الشرع أن ما يُثار حول دخول سوريا إلى لبنان "غير صحيح تماماً"، وأن دورها ينحصر في التنسيق الأمني وضبط الحدود.
ويأتي هذا التحرك السوري في وقت تواجه فيه الحكومة اللبنانية وضعاً بالغ الحساسية، إذ تجد نفسها في موقع لا يمكن وصفه بالمتفرج المحايد فقط، بل هي في موقع المتفرج الذي قد يكون مسانداً لحزب الله، وإن بطريقة غير معلنة. فرغم البيانات الرسمية التي ترفض أي تدخل خارجي، إلا أن التوازنات السياسية الداخلية في لبنان تجعل من المستحيل على الحكومة أن تتخذ موقفاً عدائياً صريحاً من حزب الله، نظراً لتمثيله القوي في السلطة، ولخشية الحكومة من أن يؤدي أي انحياز واضح ضد الحزب إلى شلل سياسي أو حتى اقتتال داخلي. وبالتالي فإن الموقف اللبناني الرسمي، وإن بدا رافضاً للتدخل السوري، هو في جوهره موقف يحافظ على غطاء سياسي للحزب، 
أما الموقف التركي، فيبرز كعنصر تعقيد إضافي، حيث ترفض أنقرة بوضوح أي إشراك للرئيس الشرع في مواجهة عسكرية بلبنان، ويعود ذلك جزئياً إلى موقف رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو المعارض لهذا التوجه، فضلاً عن المخاوف التركية من أن تؤدي أي مواجهة سورية-حزب الله إلى إشعال جبهة جديدة قد تخدم التمدد الإسرائيلي نحو لبنان، وتنعكس سلباً على المصالح التركية في سوريا والعراق. ومن هنا ينشأ تعارض مباشر بين الموقفين التركي والأمريكي، مما قد يدفع أنقرة إلى استخدام نفوذها في الشمال السوري للضغط على دمشق لمنع أي انزلاق نحو مواجهة مفتوحة مع حزب الله.
يبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار حالة الترقب والاستنزاز، مع بقاء المنطقة في حالة توتر دائم، حيث تدرك جميع الأطراف أن أي انفجار واسع قد يخرج عن السيطرة ويهدد مصالح الجميع دون استثناء. كما أن أي اتفاق أمريكي-إيراني مستقبلي قد يعيد تشكيل أدوات الصراع لكنه لن ينهي جذوره، مما يبقي الساحات المحلية مسرحاً للتنافس والنفوذ لسنوات قادمة، في ظل تناقض المصالح بين الفاعلين الإقليميين والدوليين.