Weather Data Source: 30 days weather Baghdad
بغداد
عاجل

مقالات الرأي

سامح الهادي

آخر تحديث: 6/08/2026 | 04:24 PM

102 مشاهدة

ليلة الثلاثاء 4 أغسطس/آب 2026 لم تكن ليلة عادية بالنسبة لملايين الأشخاص في ولاية ميشيغان، ولا أضعافهم في الولايات المتحدة،
وحول العالم، حيث ظلت الأنظار معلّقة على الشاشات بمختلف أشكالها، من الهواتف الذكية إلى أجهزة التلفاز، ووسائل نقل الأخبار الأخرى، بانتظار إعلان النتيجة.
كان السؤال الذي شغل الجميع من سيحسم الانتخابات التمهيدية في ولاية ميشيغان (المتأرجحة)؟
هل هو (عبدول) عبد الرحمن السيد، بما يحمله اسمه من دلالات، وبما تمثله خلفيته وأهدافه من مشاركة غير تقليدية في هذا السباق أفرزتها الحاجة والتغيرات أم هيلي ستيفنز، التي تمثل تيارا مختلفا من الناخبين والداعمين والمحافظين وأصحاب المصالح؟
وعندما جاءت النتيجة شديدة التقارب، تلقاها البعض كصدمة غير متوقعة، بينما استقبلها آخرون باعتبارها يوما تاريخيا وانتصارا يحمل معه كل الرمزية والمعاني التي رافقت هذه

فاز عبدول!
إذا كان هناك ثابت واحد يمكن الاتفاق عليه في علم السياسة، فهو أن التغيير هو القاعدة الوحيدة المستمرة. فالأحزاب التي تفشل في قراءة التحولات الاجتماعية والسياسية سرعان ما تجد نفسها منفصلة عن الناخبين، مهما كان تاريخها عريقا ومؤسساتها تبدو قوية.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم التحولات التي يشهدها الحزب الديمقراطي الأمريكي بعد خسارته انتخابات 2024، حيث لم تعد الأزمة داخل الحزب مرتبطة فقط بالهزيمة الانتخابية، بل بالسؤال الأعمق حول شكل الحزب نفسه: هل ما زالت القواعد التقليدية التي تحدد المرشح القابل للفوز صالحة في البيئة السياسية الجديدة

لقد كشفت انتخابات منصب رئيس بلدية نيويورك في العام الماضي والتمهيدية في العام الحالي والأخيرة بالأمس في ميشيغان وعدة ولايات، عن تغير واضح في علاقة الناخب بالسياسة، فبينما نجح دونالد ترمب والجمهوريون في تقديم خطاب مباشر وصاخب، بعيدا عن اللغة السياسية التقليدية، استطاع هذا الخطاب الوصول إلى شرائح واسعة من الناخبين الذين شعروا بأن المؤسسات السياسية لم تعد تعبر عن مخاوفهم اليومية وهموم المعيشة، ورغم الجدل حول مضمونه، فإن وضوح الرسالة وبساطة اللغة منحاه قدرة كبيرة على الانتشار حتى ولو كان سيئا في نظر الكثيرين.
هذا التحول دفع الديمقراطيين إلى إعادة النظر في أدواتهم، فالنموذج التقليدي للسياسي المنضبط، الذي يعتمد الخطاب الوسطي والحذر لم يعد يضمن وحده النجاح كما كان في السابق، وبدأ تيار جديد داخل الحزب يطرح فكرة مختلفة؛ ربما لا تكون المشكلة في جرأة الخطاب، بل في غياب الجرأة، أو حتى الوقاحة أحيانا.
إعادة تعريف مفهوم الفوز
لسنوات طويلة، ارتبط مفهوم المرشح الديمقراطي القابل للفوز بالقدرة على جذب الناخب الوسطي، وتجنب المواقف الحادة، والابتعاد عن القضايا التي قد تثير انقساما سياسيا، خصوصا فيما يتعلق بإسرائيل، لكن صعود شخصيات مثل زهران ممداني، وألكساندريا أوكاسيو كورتيز، وإلهان عمر، ورشيدة طليب، يعكس تغيرا في هذا التصور.
يعتمد هذا التيار على خطاب أكثر مباشرة، وحضور رقمي قوي، وزخم لدى الشباب، وتركيز على القضايا التي تمس الحياة اليومية للناخب مثل ارتفاع تكاليف المعيشة، وأزمة السكن، والرعاية الصحية، والعدالة الاقتصادية والضرائب، وهو يراهن على أن الناخب لا يبحث دائما عن المرشح الأكثر اعتدالا، بل عن المرشح الذي يعبّر بوضوح عن مشكلاته وغضبه.
لكن هذا لا يعني أن الخطاب الجريء أصبح ضمانة انتخابية مطلقة، فالحزب الديمقراطي لا يزال يضم تيارات متعددة، وتختلف طبيعة الناخبين من ولاية إلى أخرى، بيد أن صعود هذا التيار (التقدمي) أثبت أن الجرأة السياسية لم تعد بالضرورة عبئا انتخابيا، وأن الحديث عن المحظورات ليس خطرا، وأن هناك قاعدة ناخبين ترى في المواجهة والوضوح عنصر قوة لا عنصر مخاطرة بل حتى عنصر إثارة.

عندما أصبحت السياسة الخارجية قضية داخلية
أحد أبرز مظاهر التغيير هو انتقال قضايا السياسة الخارجية من هامش النقاش الانتخابي إلى قلبه. فالحروب في أوكرانيا وغزة ولبنان وأخيرا وليس آخرا إيران، والمساعدات العسكرية والتحالفات الدولية لم تعد ملفات بعيدة عن المواطن الأمريكي، خصوصا عندما ترتبط بالإنفاق الحكومي والأولويات الاقتصادية الداخلية.
وقد ظهر هذا بوضوح في النقاش حول المساعدات العسكرية لإسرائيل وأوكرانيا. فبعد سنوات كان فيها انتقاد هذه السياسات محدودا داخل الحزب الديمقراطي، وسلاحا في يد الجمهوريين، أصبحت أصوات أكثر علنية داخل الحزبين تتساءل عن حجم الإنفاق الخارجي، مقارنة بالتحديات التي يواجهها الأمريكيون داخل بلادهم.

هذا التحول لا يعني اختفاء الدعم التقليدي للتحالفات الأمريكية، لكنه يشير إلى تغير في طبيعة الأسئلة التي يطرحها جزء من الناخبين وربطها بالقانون، وإلى ضرورة أن تسبق الأولويات الداخلية الالتزامات الخارجية، وهل يمكن فصل السياسة الخارجية عن قضايا العدالة الاجتماعية والموارد العامة؟
في هذا السياق، أصبحت جماعات الضغط التقليدية مثل لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية "أيباك" (AIPAC) تعمل في بيئة أكثر تعقيدا، فالقضايا التي كانت تُناقش غالبا داخل دوائر صنع القرار أصبحت اليوم جزءا من النقاش العام، وأصبح المرشحون مطالبين بتوضيح مواقفهم أمام جمهور أوسع وأكثر اهتماما بتفاصيل السياسة الخارجية.
وقد يمنح هذا التحول الديمقراطيين فرصة كبيرة في انتخابات التجديد النصفي إذا تمكنوا من ربط هذه القضايا بمخاوف الناخب اليومية، خصوصا في ظل ارتفاع تكلفة المعيشة وتزايد التساؤلات حول أولويات الإنفاق الحكومي.
تراجع المؤسسة وصعود التمويل الشعبي
من أهم مظاهر التحول داخل الحزب الديمقراطي تراجع قدرة المؤسسة التقليدية والحرس القديم على التحكم الكامل في اختيار المرشحين، وصياغة أجندة الحزب تحت ضغط التغيير، خصوصا من التيار التقدمي.
في السابق، كانت القيادات الحزبية وكبار المانحين وشبكات النفوذ تلعب دورا أساسيا في تحديد من يمتلك فرصة المنافسة، أما اليوم، فقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات التمويل الجماعي قواعد اللعبة وأدت إلى انكشاف التحالفات.
أصبح بإمكان المرشح بناء قاعدة سياسية مستقلة عبر آلاف التبرعات الصغيرة، والحصول على دعم مباشر من الناخبين دون المرور بالكامل عبر القنوات التقليدية، وأن يستغني بدرجة كبيرة عن الإعلام التقليدي ويصل مباشرة لقاعدته المستهدفة. وهذا لا يعني نهاية دور المؤسسة، لكنه يعني أنها لم تعد اللاعب الوحيد القادر على تحديد مستقبل الحزب.

من كتلة انتخابية إلى قوة سياسية
ربما يكون التحول الأكثر وضوحا هو انتقال الجالية العربية والمسلمة في الولايات المتحدة من موقع الكتلة التصويتية محدودة التأثير إلى موقع المشاركة السياسية المباشرة التي تؤثر ويحسَب لها حساب، خصوصا بعد الانتخابات الرئاسية في عام 2024.
فأبناء الجيلين الثاني والثالث من هذه الجاليات لم يعودوا يكتفون بالتأثير عبر التصويت، بل دخلوا ساحات المنافسة السياسية، مدفوعين بقضايا داخلية وخارجية يرون أنها تمس مستقبلهم ومجتمعاتهم.
وقد ساعد صعود شخصيات من خلفيات متنوعة، مثل رشيدة طليب، وإلهان عمر، وأيانا بريسلي، وألكساندريا أوكاسيو كورتيز، في توسيع مساحة النقاش داخل الحزب الديمقراطي حول تمثيل الأقليات، والعدالة الاجتماعية، والسياسة الخارجية بل والتأثير فيها وتغييرها.
هذه التجربة فتحت الطريق أمام جيل جديد من السياسيين الذين لا يرون أنفسهم مجرد ممثلين لجماعات محددة، بل جزءا من محاولة لإعادة تعريف معنى المشاركة السياسية الأمريكية.
هل نحن أمام تحول بنيوي؟
صعود الرباعي التقدمي لا يعني أن الحزب الديمقراطي أصبح حزبا تقدميا بالكامل، لكنه يعني أن قضايا كانت في السابق على هامش النقاش أصبحت اليوم جزءا من صلب المنافسة السياسية.
التغيير الحقيقي لا يحدث فقط عندما يسيطر تيار معين على حزب، بل عندما ينجح في تغيير الأسئلة التي يطرحها الحزب، واللغة التي يستخدمها والناخبين الذين يسعى إلى تمثيلهم، وهو ما يحدث الآن في الحياة السياسية الأمريكية بشكل عام، وتجلّيه الأبرز في الحزب الديمقراطي.