Weather Data Source: 30 days weather Baghdad
بغداد
عاجل

مقالات الرأي

دعاء هزاع الجابري

آخر تحديث: 21/09/2026 | 11:13 PM

115 مشاهدة بقلم / دعاء هزاع الجابري 

في ملفات " الإرهاب " لا تبدأ الحكاية لحظة إطلاق النار ولا حين تصل صفارات الإنذار إلى المكان ، تبدأ قبل ذلك بكثير في منطقة لا تراها الكاميرات ، حيث تتحول الفكرة إلى نية ، والنية إلى مراقبة ، والمراقبة إلى هدف ، ثم يظهر السلاح كآخر حلقة في سلسلة كانت تتشكل بصمت ، وهذه المرة يقودنا الخيط إلى " ألمانيا "، شاب عراقي في الرابعة والعشرين  ، مدينة بريمن  ، كنيسة جرى استطلاعها بدقة ، بالاضافة سلاح ناري تم الحصول عليه ، ومحاولة لبناء دائرة صغيرة من حول مشروع لم يصل إلى لحظة التنفيذ ، وبين هذه التفاصيل المتناثرة تبدو القضية اكبر من مجرد ملف أمني مفتوح على مصراعيه ، ب " خلية لم تولد كاملة ، لكنها بدأت تتشكل داخل الظل "

ان المثير هنا ليس فقط أن السلطات الألمانية أوقفت مشتبها به قبل وقوع الهجوم بل أن مسار التخطيط بحسب ما أعلنته النيابة كان يمتد منذ ربيع 2025 ، وهذا تحديدا ما يضع أمام أجهزة الأمن سؤالا أكثر تعقيدا من سؤال السلاح نفسه ، وهو : كيف يمكن اكتشاف مشروع عنيف وهو لا يزال فكرة تتحرك بين شخص واحد وشاشة هاتف وهدف تتم مراقبته من بعيد؟ ، فوفقا للتحقيقات الألمانية استطلع المشتبه به كنيسة في " بريمن " باعتبارها هدفا أوليا وحصل على سلاح ناري ، كما أنه عمل على استقطاب آخرين إلى مشروعه ، الا ان السلطات تشير بأن تحركاته لتوسيع دائرة التجنيد لم تنجح بالشكل الذي كان يريده 

ليصبح المشهد هنا أكثر خطورة من مجرد اعتقال فرد ، فالإرهاب الحديث لا يحتاج دائما إلى تنظيم ضخم ، حيث يكفي عقل مغلق ، وفكرة متطرفة ، وهدف محدد ، وسلاح ، إلى جانب شخص آخر مستعد لأن يسمع ، وهذه هي المنطقة الرمادية التي تحاول أجهزة الأمن الوصول إليها دائما قبل أن تتحول إلى " جريمة " ، فالكنيسة في هذه القضية ليست مجرد مبنى بل " رمز " ، حيث أن استهداف مكان للعبادة يعني محاولة تحويل الاختلاف الديني من حقيقة طبيعية في المجتمعات إلى ذريعة للصراع ، ولهذا فإن الخطر لا يتوقف عند احتمال سقوط ضحايا بل يمتد إلى ضرب المساحة المشتركة التي يفترض أن يعيش فيها المختلفون دون أن يصبح اختلافهم سببا للعنف 

الا أن في الجانب الآخر من الملف تبرز قضية أكثر حساسية ، وهي " الاندماج والأمن " ، فبحسب السلطات المحلية دخل المشتبه به ألمانيا بصورة قانونية عام 2021 ضمن برنامج قبول إنساني في " براندنبورغ " قادما من الأردن ، وهذه المعلومة وحدها تفتح سؤالا سياسيا وأمنيا ذا ابعاد كبرى ستجد ألمانيا نفسها مضطرة إلى مناقشته ، وهو : كيف تحافظ الدولة على سياسة إنسانية تجاه من تطلب لهم الحماية ، وفي الوقت ذاته تطور أدوات قادرة على اكتشاف مسارات التطرف الفردي؟ ، وذلك سؤال لا تجيب عنه هذه القضية وحدها لان الاندماج ليس ضمانة تلقائية ضد التطرف كما أن الهجرة ليست مرادفا له ، وبين الجملتين مساحة واسعة من الواقع لا يمكن اختزالها في الخوف أو في الشعارات ، كما أن هناك تفصيلا يستحق التوقف عنده ، وهو ان المشروع لم يظهر في لحظة واحدة بل كانت هناك مراحل ، من " فكرة ، ثم بحث عن شركاء ، ثم استطلاع هدف ، ثم سلاح " ، ليتحول الملف بذلك من قضية جنائية إلى سؤال استخباراتي أوسع ، في : أين تقع اللحظة التي يصبح فيها التطرف مرئيا؟ ، هل عندما يتحدث صاحبه عن العنف؟ أم عندما يبحث عن شركاء؟ أم عندما يبدأ في مراقبة هدف؟ أم عندما يحصل على السلاح؟ ، فقد تكون المشكلة أن الأجهزة الأمنية تبحث غالبا عن الجريمة في نهايتها ، بينما تتشكل الجريمة في بدايتها داخل مناطق أكثر غموضا حيث يصعب التفريق بين " الاعتقاد والفعل وبين الرأي والتخطيط وبين الغضب العابر والمشروع العنيف " ، وفي تلك المنطقة بالذات يتحرك ما يمكن تسميته ب " إرهاب الظل " ذلك الذي لا يعلن عن نفسه قبل أن يقترب من لحظة التنفيذ 

لذلك فإن توقيف المشتبه به قبل وقوع الهجوم لا يغلق الملف بل يفتح ملفا آخر في كم من الأفكار المتطرفة التي تبقى مجرد أفكار ، وكم منها يعبر الخط الفاصل نحو التخطيط ، وكم تحتاج الأجهزة الأمنية من الوقت حتى ترى ذلك العبور ، ففي " بريمن " لم تصل القصة حتى الآن إلى النهاية التي كان يمكن أن تكتب بالدم لكنها كشفت شيئا أكثر هدوءا وأكثر إثارة للقلق ، وهو أن أخطر مراحل الإرهاب تلك التي لا يسمع فيها أحد صوت الانفجار لأن كل شيء لا يزال يحدث في صمت ، فالسلاح يمكن مصادرته ، والخلية يمكن تفكيكها ، والهدف يمكن حمايته ، أما " الفكرة " حين تجد طريقها إلى عقل يبحث عن ضحية فالمعركة تصبح أطول من عملية اعتقال ، وهناك في المسافة الغامضة بين الفكرة والفعل يبدأ السؤال الحقيقي عن أمن أوروبا ، وعن قدرتها على اكتشاف الخطر قبل أن يخرج من الظل .