Weather Data Source: 30 days weather Baghdad
بغداد
عاجل

8 آب 1988.. "النصر المزعوم" وحصاد ثماني سنوات من الدماء والمغامرات الطائشة

#
کاتب ٢    -      1267 مشاهدة
6/08/2026 | 05:42 PM

تحلّ في الثامن من آب ذكرى ما أطلق عليه نظام البعث المقبور في العراق عام 1988 اسم "يوم النصر العظيم"، وهو اليوم الذي أُعلن فيه وقف إطلاق النار في الحرب العراقية الإيرانية (حرب الخليج الأولى). 

غير أن قراءة بسيطة واستقصائية للتاريخ بعيداً عن البروباغندا الشمولية وشعارات التعبئة القومية، تكشف أن ما رُوّج له كـ "نصر تاريخي" لم يكن سوى كذبة كبرى ومحاولة مكشوفة لتغطية فشل سياسي وعسكري ذريع، دفع الشعب العراقي ثمنه باهظاً من دمائه وثرواته ومستقبله.


من نقض "اتفاقية الجزائر" إلى إشعال المحرقة

بدأت جذور الكارثة في أيلول/سبتمبر 1980، عندما أعلن المقبور صدام حسين بصلف ونقض أحادي، إلغاء "اتفاقية الجزائر" لعام 1975 المتعلقة بحدود شط العرب والحدود البرية بين البلدين.

 تذرع النظام آنذاك بفرض السيطرة المطلقة على شط العرب وردع التهديدات، لشن حرب شاملة على دولة جارة، في قرار فردي يفتقر إلى أدنى مستويات الحساب الاستراتيجي.

ولم تكن تلك الحرب سوى خوضٍ لمواجهة بالنيابة عن قوى إقليمية ودولية وعلى رأسها الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة الذين وجدوا في غطرسة النظام البعثي أداة لإنهاك الطرفين والحد من أي توازنات قوية في المنطقة. 

وخلال ثماني سنوات، تزود النظام بالسلاح والدعم المالي واللوجستي، ليتحول الجيش العراقي إلى حارس لمصالح خارجية لا تمت بصلة للمصلحة الوطنية العراقية.


حصاد ثماني سنوات: حطب المعارك وخسائر الأرواح

على مدار ألفين وتسعمائة وثمانية وعشرين يوماً، تحولت جبهات القتال من المحمرة والفاو إلى شرق البصرة ومجنون، إلى المقابر الجماعية وخطوط النار التي التهمت مئات الآلاف من الشباب والجنود العراقيين. 
اقتيد أبناء الشعب العراقي من المزارع والجامعات والمصانع ليكونوا حطباً لطموحات سلطوية لا تنتهي، وتكدست معسكرات الأسرى بالآلاف، وشوهت الحرب أجساد مئات الآلاف من المتروكين بلا رعاية.

ولم يقتصر الدمار على الجبهات، بل امتد لداخل البيت العراقي؛ إذ أدى استنزاف موارد الدولة إلى انهيار البنية التحتية، وانتشار الجريمة، وتفكك النسيج الاجتماعي، فضلاً عن تعميق الفتن الطائفية التي غذتها الخطابات السلطوية لشق صفوف المجتمع وضمان الولاء الأعمى للرئيس ونظامه.

العودة إلى المربع الأول

إن الادعاء بـ "النصر" في 8 آب 1988 يصطدم بالحقائق الميدانية والسياسية، فعقب قبول القرار الأممي رقم 598 ووقف القتال، وجد العراق نفسه يعود بالضبط إلى الحدود والأوضاع ذاتها التي سبقت سبتمبر 1980.

 بل إن الأكثر مفارقة أن النظام، وبعد عامين فقط وتحديداً في عام 1990 عشية غزوه للكويت، سارع إلى الاستجابة لجميع الشروط الإيرانية وأعاد الاعتراف باتفاقية الجزائر لعام 1975 ذاتها التي مزقها صدام في البداية وشنت الحرب بسببها فأي نصر تحبه قيادة تضحي بمئات الآلاف من أبنائها ثم تعود لتقبل بالشرط ذاته الذي تحاربت لأجله؟


من جحيم 1988 إلى حفرة 2003: المتتالية القاتلة

لم يكن "النصر المزعوم" سوى مقدمة لكوارث أكبر، إذ أسفرت تلك الحرب عن إفلاس خزينة الدولة وتراكم الديون الهائلة، مما دفع المقبور صدام حسين إلى خوض مغامرة أكثر طيشاً ومجانية بإنزال القوات العراقية في الكويت عام 1990.

 وتسبب هذا الفشل الاستراتيجي المركب في تحالف 33 دولة ضد العراق، ودخول البلاد في حصار اقتصادي خانق استمر لعدة سنوات، دمر الطبقة الوسطى وجوع الشعب العراقي.

وانتهت تلك السلسلة من المغامرات المجنونة بالسقوط المدوي للنظام عام 2003، لينتهي مطاف المحارب البعثي في حفرة تحت الأرض، مختبئاً ومجرد قوة وكرامة، قبل أن يواجه محاكمته وإعدامه، بعد أن تخلت عنه كافة القوى الدولية والإقليمية التي استغلت غطرسته ووظفت الحروب لمصالحها الخاصة.



إن تاريخ 8 آب 1988 سيبقى في الذاكرة الوطنية العراقية ليس يوماً للنصر، بل تذكيراً بالثمن الفادح الذي تدفعه الشعوب عندما يُساق وطن كامل نحو الهاوية نتيجة أوهام القائد الضرورة وحروبه العبثية.